الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
239
نفحات القرآن
وآية أخرى أشارت إلى سبب آخر من أسباب الطبع ، حيث قالت : « أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَّو نَشَاءُ أَصَبْنَاهُم بِذُنُوبِهِم » . ( الأعراف / 100 ) أي أنّهم يذنبون رغم رؤيتهم وعلمهم بأحوال السابقين وابتلائهم بالعذاب الإلهي من جراء ذنوبهم ، فطبع على قلوبهم . وممّا يذكر هنا أنّ الطبع جاء في الآية الثامنة بصيغة المضارع « نطبع » وفي التاسعة بصيغة الماضي « طبع » وهذا تلميح إلى أنَّ الطبع نتيجة سوء أعمالهم وتصرفاتهم . يقول بعض المفسرين : إنّ المراد من « الطبع » في مثل هذه الآيات هو نفس السبك والنقش الذي يستخدم للدراهم والمسكوكات ، وهو نقش ثابت وباقٍ ، لا يتغير بسهولة « 1 » ، فانَّ نَقْشَ الكفر والنفاق والإثم نُقِشَ على قلوبهم فلا يمحى بسهولة . جج وتحدثت الآية العاشرة والحادية عشرة عن « الختم » وكما قلنا سابقاً في شرح المفردات : إنّ الختم يعني الانتهاء والفراغ من شيء ، وبما أنّ الرسائل تختم عند الفراغ منها استعملت هذه المفردة هناك أيضاً ، وختم الشيء قفله وشده بحيث لا يمكن لأحد فتحه ، والمراد من الختم على القلوب والأسماع والابصار في الآيات ، هو سلب قدرتها عن التمييز بين الحق والباطل ، والخير والشر وذلك بسبب أعمال أصحابها وتصرفاتهم ، ولهذا يذكر القرآن في الآية السابقة : « انَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ ءَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ » . ( البقرة / 6 ) المسلم به هو أنّ هذا الخطاب لا يعم الكافرين كلهم بل يخص المتعصبين والمعاندين منهم ، أي أولئك الذين غرقوا بذنوبهم إلى درجة حيث أصبحت قلوبهم ظلماء ، وإلّا فالنبي أُرسل مبشراً ومنذراً للكافرين والمنحرفين . والجدير ذكره هنا هو أنّ الآيات تحدثت عن الختم على الأبصار والسمع كما تحدثت
--> ( 1 ) . تفسير المنار ، ج 9 ، ص 33 .